الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

أوراق من السيرة الحزبية (1)



"الحقيقة المسلمة بها، قد تكون عند البعض ادعاءات تزييفية"

خالد سينو:  

في ذكرى الخمسين "اليوبيل الذهبي" للبارتي كتبنا سلسلة حلقات غير مكتملة ـ البارتي ودوامة البقاء ـ نشرت في موقع عامودا واليوم نعيد نشرها مع بعض إضافات مهمة ومكتملة إلى حد ما، لنقدم شهادة على مرحلة هامة من تاريخ البارتي السياسي والتنظيمي، قد تكون بصيص نور تخرق تابو الصمت الذي يلفنا، يلف قواعد البارتي اينما كانوا. نكتب ما هو في البال والوجدان عن هذا الحزب. نكتب عن تجربة حية عشناها وتعايشنا معها بسلبياتها وايجابياتها، تأثرنا بها، وأثرنا ولو بشكل بسيط في بعض الجوانب. هي تجربة بسيطة لكن تستحق من الآخر إلقاء نظرة عليها ودراستها، لانها تختلف عن (قال الرواي)، بل كانت بملمس اليد وأمام العين تتالى حلقاتها منذ لحظة تعرفي على البارتي كنهج اولاً ثم كحزب منتسب إليه اتفاعل معه وواحد من أولئك الذين امنوا به وبمبادئه، ودافعوا باخلاص عن ما امنوا به، قد نكون قد اخطئنا ولحقنا بهذا او ذاك، وهو كان نابعاً من ايماننا أننا ندافع عن البارتي وقيمه العادلة الشفافة، لم يدر في ذهننا بأننا سنتحول في نهاية الأمر إلى مجرد أرقام تضاف إلى الحصيلة التنظيمية لهذا أو ذاك في معادلة الصراع ضمن البارتي على مدى تاريخه النضالي.

نكتب وفي البال أن يقف البارتي صلب العود، مستقيم القامة، ينفض عن كاهله تراكمات ومحطات الانشقاقات، لكن اليوبيل الذهبي مضى وكأنه لم يكن، وتمضي سنة، سنتان … ثلاث … الخ،  وحوارات خلبية بين اطرافه للم الشمل الذي لم يلتم بفعلنا وخواءنا السياسي من كل القيم النضالية التي أسس عليها البارتي، كما إن الوضع لم يبقى على ما هو عليه بل انحدر  بشكل منتظم ومضطرب لتأتي الثورة السورية المباركة وتكشف عورة أحزابنا لنشاهد كم كنا مخدوعين بعظمة جلالة قدرنا ومكانتنا، لنكتشف بأن الركب قد أنطلق ونحن نلوك خطابنا السياسي الباهت العتيق الموروث من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي القائم على تغني بالسياسة الواقعية التي لم يبقى منها شيء. الثورة تمضي في مسارها إلى الحرية، ونحن نأمل بأمل ما قد يلوح في الأفق .
البارتي (هنا كحاصل للجمع بفروعه الثلاث) بات بأمس الحاجة إلى إعادة التأهيل السياسي والتنظيمي في ظل اختلال موازينه وفقدانه للسياسة، هو بحاجة إلى مراجعة كبيرة وجريئة من قبل كوادره التنظيمية والسياسية التي لا تزال تثق به كحزب ونهج تأسس من أجل الشعب الكوردي في سوريا ولسورية حرة وديمقراطية.
البارتي كان عنواناً للسياسة، تلتقي وتجتمع به كل الخطوط الأخرى لترفد منه نهجاً وطنياً وقومياً... واليوم أصبح بفعلنا (بدون استثناء لأي كان ) يتحرك ببطء شديد تلفه الضبابية السياسية تنعدم الرؤية والتحليل الذي تميز به لعقود ... مرهق ... تعب، بحاجة لثورة داخلية تقصي الأمية السياسية التي تسلقت هرمه التنظيمي والسياسي، لتعيده إلى دوره الطبيعي في الحياة السياسية السورية والكوردية .
البارتي اليوم بأمس الحاجة إلى وحدة أطرافه، وإلى تغيير في النمط التفكير والتحليل السياسي وإعادة تقيم وضعه التنظيمي والجماهيري والقيادي، هو بحاجة لقيادة تاريخية مجردة من حساباتها الشخصية ومبدأ المحاصصة التنظيمية بين هذا وذاك من الاسماء، لتلم شمله تقوده لعميلة وحدوية تنقذه منّا جميعاً، تنقذه من الارتهان الشخصي لهذا وذاك، لتعيد دورة الحياة والتفاعل له.

ما كتبناه وما سنعرضه هي مجرد تجربة ونظرة شخصية تخصنا، قد تتفق مع آراء أخرى، وقد تختلف، لكن هذا لا ينفي الواقع الحالي، وهو ليس موجهاً أو تعرية لأي كان، بل هو تعرية للواقع الحزبي الذي نعيش، والسيرة الذاتية له، تلك السيرة التي صنعناها بأنفسنا بسكوتنا، وتبعيتنا لهذا او ذاك.

هدف البحث .

استعراض لأهم الاحداث التي مر بها البارتي والتي اثرت سلباً على مسيرته، التركيز بشكل اساسي على المؤتمرات : الثاني ـ الثالث ـ الرابع ـ الخامس ـ السادس ـ السابع ـ الثامن أو مؤتمر طلقة الرحمة في جسد البارتي.
إنها حصوة صغيرة في تلك المياه الراكدة، التي لا بد ان تطوف يوماً.

توطئة لا بد منها

تعرفت على هذا الحزب سياسياً في السنين الاولى من تفتح وعيي القومي والسياسي في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، وعلى وجه أكثر دقة عام 1972 أبان الانتخابات الإدارة المحلية والتي اكتسح فيها قائمة البارتي الشارع، كنا صغاراً نلف الشوارع المحيطة بصناديق الاقتراع حاملين تلك البطاقات الصفراء التي تحمل اسماء مرشحي البارتي لمجلس المحافظة (عبد الحميد السينو، جميل الملا ـ اعتذر عن عدم تذكري للاسم الثالث)، مرددين هنا بطاقات الشرف، هنا يجب ان يكون صوتك، الاقبال كان كبيراً هادراً، وفي ذاك الاعصار البشري لا أنسى ذاك الصوت الذي ما زال يتردد صداه في ذاكرتي "السيدة زكية بشار"، وهي تحثنا على توزيع البطاقات، وتصرخ في وجه رجل الأمن على تدخله ومحاولة ارهاب الناخبين، وهي بذلك قد قدمت صورة ناصعة عن المشاركة السياسية للكورديات في ذاك الحدث. لكن مع اغلاق الصناديق في يومها الاول تم طرد جميع وكلاء مرشحي البارتي لتقوم الاجهزة الامنية بواجبها المعتاد في تزوير وتزييف الحقائق وإرادة الشعب، وإحلال إرداة السلطة.
 وفي نقلة ثانية من التفتح الوعي القومي والسياسي والالتصاق بذاك الحزب الأم كان مع الاعتقالات التي تعرض لها البارتي عام 1973 بسبب وقفته السياسية في وجه تنفيذ مشروع الحزام العنصري (الهلالي) السيء الصيت، وبموجبها تم اعتقال سكرتير الحزب المرحوم دهام ميرو وآخرين من القيادة وبعض من كوادره السياسية والتنظيمية (السادة ـ المرحوم كنعان عكيد، المرحوم نذيرمصطفى، الاستاذ امين كولين، خالد مشايخ، عبد الله ملا علي، احمد عربو "يسار"، محمد فخري  ……) بهدف شل قدرة الحزب السياسية والتنظيمية والجماهيرية في الشارع الكردي.
تفتح وعيي على هذين الحدثين البارزين في تاريخ البارتي النضالي، اللذين أكدا على:

الأول:    أكد على قيادة البارتي للشارع الكردي برمته من الجزيرة إلى كوباني مروراً بعفرين وقراها وبعض احياء حلب حيث الجالية الكوردية، وصولا الى حي الكورد في دمشق العاصمة.

والثاني:  أكد على ان الذين لم يلتزموا بمقرارات المؤتمر الوطني الأول (1970 في كردستان العراق) وخرجوا عليه لم يشكلوا شيء من الناحية السياسية والتنظيمية والجماهيرية امام قوة وامتداد البارتي في الشارع الكردي.

والثالث:   أكد بأن السلطات الامنية السورية باتت على وعي تام بقوة وقدرة الحزب على تحريك الشارع الكوردي وتوجيهه إلى حيث يريد بأسلوب ديمقراطي وحضاري، وباتت السلطات تأخذ نفوذ الحزب في الشارع على محمل الجد وضرورة إعادة الحسابات في هذا المضمار، وتنفيذ سياسات أخرى غير تلك التي تتصف بالمواجهة واعتقالات، والتي تزيد من جماهيرية وقدرة الحزب على قيادة الشارع الكردي.

إن مقولة ان الشارع الكوردي كله بارتي،  أضاف اعباء كثيرة عليه لضرورة المحافظة على خطه السياسي الواضح من جهة المطالبة بالحقوق القومية للشعب الكوردي في سوريا الذي يعيش على ارضه التاريخية، والنضال من أجل سوريا ديمقراطية حرة وتعددية  منفتحة على الجميع بدون اقصاءات، أما كردستانياً العمل على دعم القضية الكوردية في أجزاء كوردستان الأخرى وتقديم المساعدة كلما أمكن ذلك، بمعنى المهمة كانت كبيرة وجسيمة في ظل اختلال موازين القوى، لصالح معسكر اعداء الحرية والديمقراطية.
ضمن هذه الثنائية السياسية (قومياً ووطنياً) عرفت وانتسبت الى البارتي وناضلت ضمن صفوفه  سياسياً وتنظيمياً منذ اواخر 1976 لعقود، وتفاعلت مع احداثه وتأثرت بها وأثرت فيها بعض الاحيان كغيري من ابناء البارتي، وكان جل مانريد، تحقيق ما نصبوا إليه سياسياً، لينعم شعبنا بحقوقه القومية المشروعة على أرضه التاريخية وأن تصان إنسانيته .
لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لقد تباطئت دينامكية الحركة لدى البارتي وبدأ منحني النضال وتيرته الهابطة منذ أواخر سبعينات القرن المنصرم، لغاية يومنا هذا، حيث ينشغل البارتي في طرفه الاول بالمحاصصة التنظيمية في القيادة وحسابات الربح والخسارة في مرحلة ما بعد المؤتمر العاشر، والطرف الأخر يلهف في سباق هو غير مجدي فيه للحاق بتلك العلاقات التاريخية الكوردستانية التي ميزت البارتي لتثبيت رجله ومن ثم الانطلاق نحو أفقه الخاص، بمعنى كل شيء مؤجل وكل شيء لاجل معركة اثبات الذات امام الحليف الكوردستاني وكأن غاية النضال اصبحت هذه،  وهو على هذا ليس بالبارتي الشرعي، ولا هو حزب آخر، وهو بين هذا وذاك لا زال يتخبط يمنياً ويساراً (ليس بالمعنى الايدولوجي للكلمتين)، لم يحدد لنفسه هوية سياسية مميزة، اما الوليد غير المكتمل النمو (البارتي الديمقراطي الكوردي في سوريا)، الذي ولد نتيجة عمليتين قيصريتين هو للآن لم يقدم لنا جديداً سوى إضافة رقم أخر إلى سلسلة البارتي الانقسامية، ومصداقيته اهتزت بعد عملية لم الشمل مع الطرف الثاني من البارتي والارتداد ، ثم التحاقه بالطرف الاول ومن ثم الارتداد مرة أخرى، وفي الارتدادين سيقت نفس الحجج والذرائع غير المنطقية التي تبرر بها كل الانشقاقات.
الأطراف الثلاث مشغولة بهذه الطريقة أو تلك بنضالاتها الخاصة قبل وفي زمن الثورة السورية، بدلاً من التطلع والبحث عن سبل تخرجه من وحل الانشطارات العامودية والأفقية التي اصابت جسده التنظيمي وخطه السياسي، تخرجه من دوامة القيادة الأمية وتفشي ظاهرة المسؤولية ضمن صفوفه كالفطور ، فحاصل جمع القيادات للأطراف الثلاثة بحدود (45) قيادي، لنأخذ هذا بالاعتبار ونستذكر إن البارتي في أوج ازدهاره السياسي والتنظيمي والجماهيري كانت تقوده قيادة مؤلفة من تسعة أشخاص فقط.

لنترك هذا الأمر، ولننطلق إلى غايتنا في البحث والتحليل، إلى تلك الأحداث التي جمدت دينامكية البارتي، وحطت من عنفوانه السياسي والتنظيمي والجماهيري، لعل وعسى نبرئ الذمة أمام انفسنا أولاً، وأمام من خدعناهم ثانياً، وليحكمنا التاريخ ثالثاً إن كنا قد اخطئنا أم اصبنا فيما ذهبنا إليه بهذه الكتابة، أو الكلمات او الافكار التي قد تبدو في بعض الاحيان غير مترابطة أو تخرج عن سياقها، انها هكذا لانها تخرج من النفس بعفوية ودون انتظار او حسابات شخصية.
للموضوع بقية …… 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق